نصر حامد أبو زيد

104

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )

التعميم والتجريد . إن استيعاب النصوص للوقائع الجديدة لا بد أن يستند إلى « دوال » إما في بنية النص وإما في السياق الاجتماعي لخطابه ، أي في أسباب النزول . وقد أدرك عمر بن الخطاب حكمة التشريع الذي يعطي للمؤلفة قلوبهم نصيبا من الزكاة لا من بنية النص ذاته ، بل من السياق العام للنص ، فأدرك أن حكمة هذا « التأليف » تقوية الاسلام الذي كان ضعيفا . ومع قوة الاسلام وسيطرته على الجزيرة العربية وامتداده إلى ما وراءها لم يعد ثمة « حكمة » في اعطاء جزء من الزكاة لمن لا يستحقها . وداخل هذا الفهم يستقر فهم آخر للحكمة من فرض الزكاة على الأغنياء والقادرين واعطائها للفقراء والمحتاجين . وبنفس الفهم من جانب عمر لحكمة فرض « حد » السرقة لم يقم هذا « الحد » على العبدين اللذين سرقا من سيدهما الذي كان يجيعهما ، وهدد ابن الخطاب السيد نفسه بقطع يده لو عاد العبدان للسرقة مرة أخرى . إن الخطاب الديني المعاصر لا يستطيع أن يتجاهل هذين الاجتهادين من اجتهادات عمر ومع ذلك يظل اصراره طاغيا على أن يتجاهل « مقاصد الشريعة » التي لا يمكن أن تبرز إلا من خلال دراسة علاقة النص بالواقع . وذلك بالزعم أن العبرة « بعموم اللفظ لا بخصوص السبب » والتمسك بهذا الجانب « 1 » . والتمسك بعموم اللفظ واهدار خصوص السبب في كل نصوص القرآن من شأنه أن يؤدي إلى نتائج يصعب أن يسلّم بها الفكر الديني . أن أخطر هذه النتائج للتمسك « بعموم اللفظ » مع اهدار « خصوص السبب » أنه يؤدي إلى اهدار حكمة التدرّج بالتشريع في قضايا الحلال والحرام خاصة في مجال الأطعمة والأشربة . هذا إلى جانب أن التمسك بعموم اللفظ في كل النصوص الخاصة بالأحكام يهدد الأحكام ذاتها . لقد تدرج النص في تحريم الخمر على ثلاث مراحل تعبر عنها ثلاثة نصوص من القرآن هي : 1 - يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما . 2 - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ . 3 - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ ، فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ « 2 » .

--> ( 1 ) انظر : محسن الميلي : ظاهرة اليسار الاسلامي : ص 89 - 90 . ( 2 ) على الترتيب : سورة البقرة : الآية 219 ، سورة النساء : الآية 43 ، سورة المائدة : الآيتان 90 - 91 .